إجمالي مرات مشاهدة الصفحة

مصر العربية

هذه المقالات تعكس المأساة التي عاشتها مصر ابتداء بالدكتاتور الأول جمال عبد الناصر - الذي انتزع السلطة من سيده محمد نجيب - وانتهاء بالحمار المنوفي الغبي اللص محمد حسني مبارك الذي لا بارك الله فيه هو وزوجه ونسله. فهذا الأخير ونسله هم حثالة أهل مصر وأحطهم خلقا. احترفوا الخيانة والتبعية للعدو الصهيوني الأمريكي ووظفوا جيش مصر لحمايتهم وليس لحمايتها. إذا أردت التعليق على أي مقال يجب أن تنقر على عنوان المقال. المدونة الإنجليزية: http://www.hegazi.blogspot.com

الأربعاء، 16 نوفمبر، 2016

الموت في المنفى

الموت في المنفى
بقلم: عبد الرحمن يوسف القرضاوي

في رحلة انتزاعي من مُسْتَقرِّي في مصر، كنت أفكر في موتي خارج وطني، لقد شاء الله أن لا تبدأ حياتي في مصر، ولدت خارجها، وما زلت آمل أن يكون ختامي ومستقر عظامي في ترابها.
في رحلة انتزاعي كدت أهلك، مشقة ما بعدها مشقة، من يريد الاستزادة فليراجع (فصول الأفعى) من ديوان السفر (كتاب سيصدر في يوم قريب حين تنتهي هذه الحقبة السوداء).
اكتشفت بعد ذلك أن الموت في المنفى ليس موت المنفيِّ وحده ... بل هو موت يتجدد مع موت كل حبيب ... مع كل حرمان من جنازة أو طقوس دفن أو حضور عزاء !
- فلان مات ... البقية في حياتك
دلالات الكلمات تتغير ... قد تبدو هذه الخاطرة ممتلئة بالشجن الشخصي لكاتبها، والحقيقة أنها ألم شخصي بحت ... وبوح متألم صامت !
أنا القائل :
في مِصْـرَ يـُغـْفـَـرُ للذي قـَدْ فـَاتـَـهُ عـُرْسٌ
ولـَكِـنْ لـَيْـسَ يـُغـْفـَـرُ للذي تـَـرَكَ العـَــزَاءْ ...
في مِصْـرَ فـَاقـَـتْ مُشْكِـلاتُ المَـوْتِ مُشْـكِـلـَـة َ البَـقـَــاءْ ... !
أنا القائل :
في مِصْـرَ قـَدْ تـَبْـدُو طـُقـُوسُ الـدَّفـْـن ِ للعَـيْـن ِالغـَريبـَةِ ذُرْوَةَ
اسْتِسْلام ِ شَـعْـبٍ للدِّيَـانـَـاتِ القـَدِيمَـةِ والسَّـلاطـيــن ِ العـُتـَـاةْ...
لـَكِـنْ طـُقـُـوسُ الـدَّفـْـن ِ في مِـصْـرَ اخـْتِـرَاعٌ عَـبْـقـَـريٌّ
يَسْـتـَعِـيـدُ بـِـهِ الفـَقِـيـدُ وُجـُـودَهُ في قـَلـْبِ مَـنْ عَـرَفـُـوهُ عـَبـْـرَ العُـمْــرِ
كـَاليَخـْضـُـورِ يَـجْـري في النـَّبـَــاتْ ...
في مِصْـرَ تـَخـْتـَـزِلُ الجـِنـَـازَةُ كـُـلَّ أشـْكـَـالِ الحَـيــاةْ...
تـَبـْـدُو كـَمَـوْكِـبِ قـَائِــدٍ ذي هَـيْـبـَـةٍ قـَـدْ فـَـاقَ عِـنـْـدَ النـَّـاس ِ آلافَ الـوُلاةْ...
الفـَـنُّ والمِعْـمَــارُ والكميَـاءُ في مِصْـرَ القـَديـمَـةِ و الحَديثـَـةِ
ذَرْوَةُ اسْـتِـخـْـدَامِ دُنـْيـَـا الـنـَّـاس ِ مِـنْ أجـْـل ِ المـَمـَــاتْ ... !
حِـفـْـظُ الـرُّفـَـاةِ بمِـصْـرَ يَـعْـنِـي خـُلـْــدُ ذَاتْ ... !
أنا الذي لم أحضر عرسا منذ سنوات طوال ... ولم أفوِّت جنازة حبيب ... الجنازة في مذهبي – ومذهب المصري الأصيل – أهم المناسبات كلها، المصري مجبول على الأحزان، حياته سلسلة من الكوارث، والفرح جملة اعتراضية لا محل لها من الدموع، لذلك ترى المصري يتذكر من حضر الجنازة وينسى من غاب عن العرس.
أنا القائل :
الفَـرْحُ يأتينَـا بأحْيـانٍ ولـَكـِنْ ...
دائِمـًا يَأتي كَهَـوْدَجِ حَاكِـمٍ لا نـَسْـتـَطِـيـــعُ نَـرى دَوَاخِلَـهُ
فَيَبْـدو مُصْمَـتـا ...
الفـَرْحُ يَأتينـا ليَمْسَـحَ دَمْعَـةً تَمْتَـدُّ في نَسَـبِ البُكَـاءِ
إلى جُـدُودِ جُدُودِنـَـا

تَفـْنـى مَنَاديـلُ السُّـرُورِ

ودَمْعـُنـَـا لَمـَّـا يَــزَلْ في دَفـْقِـهِ مُتـَعَـنـِّتـــا ...

الفَــرْحُ يأتينـا مُفاجَـأةً ولكِـنْ ...

صَـارَ يَأتـي خَائِفــًا

فالـحُـزْنُ في بَلـَـدي الحَبيــبِ مُدَبَّــبٌ
مَـا زالَ يَخْتَــرِقُ السُّـرُورَ
يَضُـخُّ فيــهِ مُنَغِّـصَـاتِ العُمْـرِ مِـنْ مَـوْتٍ
ومِـنْ مَـرَضٍ
ومِـنْ وَجْـهِ الرَّئيــسِ
ومِـنْ هـُمُـومِ الـرِّزْقِ
حـَتـَّـى يَرْتَمـي مُتَفَتـِّتـا ...
الفـَـرْحُ يأتـي – إنْ أتَـى – مُتَوَاضِعـًا ...
مُتـَصَاغِــرًا جِـدًّا أمَـامَ الحُـزْنِ في مِصْـرَ التي
قَـدْ رَوَّضَـتْ أزَلـيـَّـةُ الأحْـزَانِ فيهَـا كُـلَّ فَـرْحٍ حَـادِثٍ
أو طَامِـحٍ في أنْ يَـرَى للـفَــرْحِ فيهَـا مَنْبـِتــا ...
الفَــرْحُ يأتـي – حيـنَ يأتـي – خَائِفـًا ...
يَخْشَـى تَجَـاوُزَ حَــدِّهِ ...
يَخـْشَــى سُيُــوفَ الحُـزْنِ تـُغـْــرَسُ في ابْتِـسَامَتـِـهِ
فَيُمْسِـي مَيـِّتـا ...!!!
أنا رجل العزاءات والجنازات والأحزان والهموم ... يرحل أحبابي واحدا تلو الآخر ... وأرثيهم وحيدا في منفاي.
قسما برب الناس ليَنْتَهِيَنَّ هذا المنفى قريبا ... وقسما برب الناس لأقِفَنَّ على قبور أحبابي الراحلين داعيا قبل أن يهدأ لي بال أو يغمض لي جفن.
مات حبيبك وصديقك في مصر ... وأنت المنفيُّ خارجها، لن تحمل نعشا، ولن تصلي جنازة، ولن تسير في مسيرة الباكين للقبر، ولن تصافح أحدا معزيا.
ستدعو للراحل عن بعد، وستقرأ الفاتحة ... لن ترى شاهد قبره، ولن تقرأ ما كتب عليه.
رحل الصديق الصدوق العزيز الغالي ... فجأة ... جاءني الخبر : عبدالرحمن ... البقية في حياتك ... "عمرو علي" تعيش انت ... ولا نجد من يبلغ أمه هذا الخبر ... هل تعرف من أصدقائه من يقوم بهذه المهمة الصعبة؟
ترحمت عليه ... ثم أخبرت المتصل ... فلان الفلاني ... إنه زميل دراسته الذي أعرفه ... هذا رقم هاتفه.
ها هو همٌّ جديد، معنى جديد، ألم جديد !
كنت أحمل همَّ موتي ودفني في منفاي، واليوم أحمل همَّ موت أحبابي، وأنا المنفيُّ المحروم من اقتسام الأحزان مع المحبين.
كان عمرو علي مفاجأة سارة دائما ... تعرفي به كان مفاجأة ... ودوما لقائي به كان مفاجأة !
- ألو ... أنا في القاهرة ... إنت فين؟
- موجود يا صديقي
هكذا ... يأتي عمرو من مرسى علم أو من أي مكان في الدنيا بسبب أسفاره المتكررة ... نجلس معا ... مع صحبة من الأصدقاء أو وحدنا ... وينتهي اللقاء فجأة ... ثم يسافر إلى البحر الأحمر بالطريقة نفسها ... فجأة.
وهكذا ... رحل وترك خلفه آلاف الباكين ... فجأة ...!
فلسفة المفاجأة في حياة عمرو علي ليست صدفة ... حياته سلسلة من المفاجآت السارة للآخرين ... ويشهد على ذلك مئات الكلمات التي قيلت فيه بعد رحيله.
والدة الصديق الغالي استقبلت أصدقاءه المعزين، تصافح أحدهم وتسأله "متى عرفت ابني؟ احك لي موقفا أو حكاية أو ذكرى لكما معا؟"
يا أمنا الطيبة ... لابنك صديق منعته بنادق العساكر ودبابات الجيوش ومراسيم الاعتقال على بياض وأوامر الضبط والإحضار بالزور والأحكام الغيابية بالسجن والتهديد بالقتل بتهمة اللاشيء ... منعته كل تلك الترهات من البكاء على قبر ابنك الحبيب ... منعته أن يقف بين يديك في لحظة الدفن والعزاء ... أو زيارتك في الأربعين ... أو تقبيل يديك بعد الانتهاء من ختم القرآن لروح الغالي ... لابنك صديق أوصدت في وجهه أبواب الوطن فلم يقف معك في تلك اللحظة، فوقف وحيدا يرثي نفسه ويرثي الوطن ويرثي الراحل العزيز !
لو كنت مَعَكِ ... لو وقفت بين يديك ... لقلت لك "لي مع ابنك الغالي أيام وأيام" !
ما زلت أذكر حين دخل عليّ المقهى – فجأة كعادته – وأنا أقرأ في حماسة أبي تمام، فخطف الكتاب من يديّ ثم قرأ فيه عدة دقائق، ثم هز رأسه طربا وقال :
فما يَنْهَضُ البازي بغيرِ جَنَاحِهِ وما تَحْمِلُ السَّاقين إلا الحَوَامِلُ
وما سابقٌ إلا بِسَاقٍ سَليمَـــــــةٍ وما باطِشٌ إنْ لَمْ تُعِنْهُ الأنامِلُ !
ويحك يا ابن الجامعة الأمريكية ... أتطرب لأبيات أبي الأسود الدؤلي وتقرأها بعربية سليمة نكاد لا نجدها في زمننا هذا عند خريجي الأزهر وكليات الآداب؟!
كانت ثقافته وهواياته وحياته كلها – بالنسبة لي – مجموعة من المفاجآت !!!
-  يخرب عقلك يا عمرو ... لغتك العربية سليمة وجميلة !
- في إيه يا سكر؟؟ انت شايفني خواجه !!!
كان يتقن الإنجليزية إتقانا كاملا، ولم يكن من الذين يُطَعِّمُون أحاديثهم بمصطلحات أو جمل إنجليزية (للتباهي)، بل لعله كان أقرب إلى تطعيم حديثه بالألفاظ العربية (دون تعمد أو فذلكة).
سأخبرك يا أمنا ... عن تظاهرة سرنا فيها معا عام 2005، لن أقول "سرنا فيها"، فوالله ما سرنا ... لقد طوّقتنا قوات الأمن المركزي فلم نتحرك من أمام جامعة القاهرة خطوة واحدة !
في ذلك اليوم يا أمنا الغالية ... قال لي العزيز الغالي : "أترى هذا الشخص هناك؟ هذا الذي يخفي وجهه بالجريدة لكي لا تلتقطه الكاميرات؟"
قلت : "أراه ... من هو؟"
قال : "هذا رجل الأعمال الشهير فلان الفلاني ... ابن رجل الأعمال الكبير علان العلاني" !
قلت له : "مستحيل ... ماذا يفعل هذا في تظاهرة ضد مبارك؟"
فأجاب بخفة ظله التي لم ير لها من عرفه مثيلا : "هذا الشخص يقوم بعملية (شوبنج سياسي)، الاحتياط واجب برضه، ووجوده هنا له دلالات كثيرة تتعلق باستمرار مبارك في الحكم، أو إمكانية توريث السلطة لابنه"
يا أمنا الغالية ... هل حكى لك عمرو عن معاركه الضارية (والتي دارت في هدوء تام وبلا ضجيج مفتعل) دفاعا عن الشعاب المرجانية؟ دفاعا عن أسماك القرش؟ دفاعا عن الدلافين؟ دفاعا عن شواطئ البحر الأحمر؟
هل أخبرك عن جهوده في جمعية "هيبكا" في الحفاظ على البيئة؟
هل أخبرك كيف كان يعتبر البشر البسطاء هم أساس الحفاظ على البيئة؟
هل أخبرك كيف استطاع أن يقضي على مشكلة القمامة في الغردقة؟
يحكي لي كيف دخل على سيادة المحافظ ... كان جنرالا فاسدا كالعادة، وبعد أن شرح له كيف يعتدي على البيئة رجل الأعمال فلان الفلاني صاحب المشروع الضخم على البحر مباشرة، وعضد كلامه بوثائق وفيديوهات تظهر الاعتداء بالصوت والصورة، اعتداء سافر على الشعاب المرجانية، تدمير كامل لثروة لا تعوض ... قال له السيد الجنرال المحافظ الجهبذ : "انت حاربت عشان الأرض دي؟"
فقال له عمرو "لا" !
فأجاب اللواء الفاسد بلهجة تَشَفٍّ سخيفة : "أنا بقى حاربت عشان الأرض دي" !
إذن ... لا مجال لاتهامه بالفساد والمحسوبية والرشوة ... ولا مجال لوقف الاعتداء على الشعاب المرجانية حتى لو كان ذلك موثقا بالصوت والصورة، لأن سيادة اللواء الذي حارب من أجل تحرير هذه الأرض قرر أنه لا يحق لأحد سواه أن يتحدث عن فساد ... لأنه حارب ... ونحن لم نحارب.
ها هم يا أمنا الغالية يحتلون مصر كلها ... وما زال هذا المنطق التافه على ألسنة هؤلاء المسؤولين الفاسدين الذين يحسبون أنهم آلهة من دون الله في الأرض (الأرض التي حاربوا من أجلها).
كان ابنك العزيز الغالي ذكيا، حكيما، يعرف كيف يتعامل مع هؤلاء الجنرالات، ويأخذ ما يريده منهم دون صدام لا داعي له، ولكنه حين يتحتم الصدام ... كان لا يهاب في الحق لومة لائم (بمئات الشهادات من الثقات العدول، ومن العدو قبل الصديق).
وضريبة ذلك أنه عاش رافعا رأسه، لا يقبل شبهة خدمة من أي أحد، لا يقبل دعوة على العشاء لم يدفع ثمنها، لا يقبل أي شكل من أشكال المجاملات التي قد يستغلها أي صاحب نفوذ لتمرير بعض مصالحه الفاسدة ... باختصار ... لقد عاش حياته كلها دون أن يكون مدينا لأحد
يا أمنا ... لقد كان ابنك رجلا ... عاش كما يعيش الرجال ... ورحل دون أن يتنازل أو يتغير.
لقد كان إنسانا ... يحب كل الكائنات ... ويحب كل البشر ... لا يعرف التمييز على أساس الدين أو العرق أو الجنس أو السن أو اللون !
كان خيمة وملجأ للبشر والحيوانات والطيور والسلاحف والأسماك ... ولكنه رغم كل ذلك كان يعرف الحق من الباطل ... فيحب أهل الحق ... ويكره أهل الباطل ... لذلك كان مع القضية الفلسطينية قلبا وقالبا، وكان دائما ضد الأنظمة الحاكمة المستبدة في مصر ... يقاومها ما استطع إلى ذلك سبيلا !
كان مفاجأة سعيدة لكل من عرفه ... وكان مفاجأة مذهلة لكل الكائنات التي استفادت من وجوده وحماها من الانقراض كما هو الإنسان المصري مهدد اليوم.
كان محل ثقة كل من يعرفه ... كنت أقول له وبلا مقدمات "انصحني" !
من القلائل الذين كنت أحب الاستماع إليهم.
كنت أشعر به إنسانا يملك من الثوابت والأمانة الكثير، أراه يُكَمِّلُ نقصي، يقلل عيوبي، يكبح اندفاعاتي (وما أكثرها يا أمنا).
كان واقعيا إلى أقصى الحدود، يجيد رفع الواقع كما هو، دون أن يعيش في الأوهام، ودون أن يقتل الأحلام، ولكنه رغم ذلك كان صاحب طموح في التطور، مؤمنا بالتغيير، وذلك على عكس غالبية من هم في مثل عمره، وكثيرين ممن يجيدون فهم الواقع.
لذلك كنت أطلب نصيحته !
إنه الصديق الذي يشعرني بأهمية قضيتي، وجدوى نضالي من أجل التغيير، دون أن يُزَيِّنَ لي أن أسير خلف أوهام لا مكان لها في أرض الواقع، وهذا أمر لا يقدر عليه إلا الحكماء، وهم في حياتي قلة.
لذلك ... كانت نصائحه لي قَيِّمَة، ودوما نافعة، وكم حزمت أمري في مواضيع ترددت فيها لأنه شجعني، وكم أعدت التفكير وأحجمت لأنه حذرني !
كان رجلا ... طيب المعشر ... صلبا في الشدائد.
في يوم من الأيام استيقظ العزيز الغالي على فاجعة، غرقت إحدى مراكبه في الميناء بسبب خطأ بسيط ... وخسر بسبب ذلك خسارة مالية كبيرة.
كان في كرب عظيم ... ولكنه تماسك، واستطاع بفضل الله، ثم بفضل حب الناس له أن يستعيد تماسكه وأن يعوض خسارته تلك.
لقد رفض ابنك أن يعيش لنفسه فقط، فقضى عمره سحابة تمطر خيرا على آلاف البشر، وملايين الكائنات ... سحابة لا موعد لها ... يأتي خيرها فجأة ... وها هي ترحل فجأة !
لولاه ... لماتت ملايين الأسماك، والسلاحف البحرية، والغزلان والوعول البرية !
لولاه ... لفقد آلاف البشر وظائفهم، أو منيت أعمالهم بخسائر كبيرة، وليبحث من يريد أن يستزيد عن دوره في معركة "الجفتون".
لولاه ... لانتهت متعة آلاف الزائرين لتلك السواحل والصحارى التي ساهم في الحفاظ عليها، لقد وقف ضد هؤلاء المسؤولين الجنرالات الذين يشتريهم رجال الأعمال بالدولار ليكي يفسدوا كل ما هو جميل، فيزيلوا الجمال الطبيعي الذي خلقه الله، ذلك الجمال الذي لا يعوض ... يفسدونه ببنايات خرسانية غبية قميئة ... لا طائل من ورائها سوى زيادة أرصدتهم.
هؤلاء الفاسدون الذين يجاملون أصحاب النفوذ بالدخول إلى مناطق بكر من أرض مصر، فيسمحون لهم بالصيد الجائر الذي يقضي على كائنات جميلة ... لم يقف لهم ولم يقاومهم بجهد منظم ... سوى هذا العزيز الغالي الذي رحل وتركنا مشتاقين له.
السادة اللواءات الذين يزعمون أنهم حاربوا من أجل هذه الأرض حَوَّلوا (جبل علبة) في مثلث حلايب وشلاتين إلى منطقة عسكرية، لا يدخلها مصري إلا بتصريح من المخابرات العسكرية، وبذلك أصبحت هذه المنطقة وكأنها تحت احتلال، لا يدخلها إلا علية القوم، وينتهك فيها هؤلاء سائر قوانين الطبيعة بالصيد الجائر، ثم يتهمون من يقف في وجههم – مثل عمرو علي وجمعية هيبكا – بأنهم يستقوون بالخارج !
ابنك العزيز نهر جار ... تشرب منه جميع الكائنات.
كان العزيز يمطر خيراته على ما حوله ... فقلت له "لم لا تمطر فوق مصر كلها يا صديقي؟"
فانضم إلى حزب سياسي تحت التأسيس ولم يجبن أو يتردد، ساهم في دعم هذا الكيان، لا فرق إن كان انضمامه رسميا أو شرفيا، فالسحب تمطر في الشتاء وقد تمطر في الخريف أو الربيع أو حتى في الصيف !!!
قد لا يعلم عنه كثيرون ذلك ... لأن السحابة حين تمطر لا تنشر إعلانا في الجريدة، ولا تطلب منصبا في وزارة المياه ... ولذلك لم يتول عمرو علي أي منصب في الحزب الذي دعمه حتى أصبح حقيقة على الأرض.
لم يتوقف، ولم يتراجع بعد أن تعرض لمضايقات ضباع الأجهزة الأمنية، لم يتردد في إكمال الطريق، حتى قامت ثورة يناير العظيمة.
ساهم فيها قبل قيامها ... وبعد أن قامت ... إنه ثائر يعمل بهدوء ودون ضجيج.
لقائي الأخير معه ... وليتني عرفت أنه اللقاء الأخير
- ألو ... ما بتسألش عليَّ يا عبرحمن !
- إنت اللي قاعد في البحر الاحمر وسايبنا في الايام السودة اللي احنا فيها دي
- طب انا هنا ... أشوفك امتى؟
- حالا !
جلسنا في مقهى في مصر الجديدة (مجرد الجلوس معي في هذه الفترة كانت شجاعة يا أُمَّنا) ... تحدثنا في السياسة، وعن عواقب الانقلاب العسكري في الثالث من يوليو 2013، وكيف أضاع من كان في القصر فرصة عظيمة، وحكى لي من القصص ما يدمي القلب.
تذكرنا معا أصدقاء قتلتهم رصاصات العسكر، وآخرين في السجون، وغيرهم ممن ترك البلاد، وبعض من باعوا أنفسهم للسلطة.
حدثته عن مشروعي الجديد (ديوان القهوة)، كتابي الذي بدأت التدوين فيه منذ عشر سنوات تقريبا، وكيف ينقصني لإكماله عدة أسفار من أهمها سفرة للمثلث، مثلث حلايب وشلاتين وأبو رماد، لكي أكتب عن قهوة (الجَبَنَة) التي يشربها أهلنا من قبائل العبابدة والبشارية في المثلث.
اتفقنا على السفر معا للمثلث بعد أن تنقشع هذه الغمة ... فالسفر للمثلث يقتضي الحصول على تصريح من المخابرات العسكرية، وهيهات أن يغامر أحد بذلك في هذه الأيام.
وكما التقينا فجأة ... انتهى لقاؤنا فجأة ... حين وصلته لمنزله في القاهرة في شارع الثورة بمصر الجديدة قال لي : (لما الثورة تنجح لازم نغير اسم الشارع ده ... لازم نسميه شارع الثورة اللي بجد) !
هل اكتفيت يا أمنا الغالية؟
أما أنا ... فإني أطلب من العزيز الغالي أن يسامحني ... لسببين، الأول : لأنني لم أحضر دفنه، ولا جنازته ولا عزاءه ... وما زالت في قلبي غصة من ذلك، غصة أظنها ستصحبني إلى قبري ... وآمل أن تهدأ قليلا حين أقف أمام شاهد قبره وأقرأ الفاتحة في يوم قريب.
أما السبب الثاني : فلأنني ذهبت إلى المثلث دونه ... ويشهد الله أنني كنت مضطرا !
يا أخي الراحل العزيز ... أرهقتني بفراقك يا صديقي ... وفي داخلي حزن يتجدد كلما تذكرت حرماني من لقياك قبل الرحيل، وحرماني من وداعك عند الرحيل، ومنعي من العزاء بعد الرحيل.
وكما كان عمرو علي يتسرب داخل أحداث الحياة فجأة ... وكما رحل فجأة ... انتهى هذا النص ... فجأة

------------------------------------------------------
تعليق 
بقلم: محمد عبد اللطيف حجازي

شدني هذا المقال ربما لأنه يثير في نفسي شجى يشبه شجن الكاتب من زاوية البعد عن الوطن والحنين إلى أشياء كثيرة صارت اليوم سرابا، بعد أن تغير كل شيء على أرض الواقع المؤلم. المصري الغائب عن مصر لسنوات طوال يصاب بصدمة إذا ما زارها، خاصة إذا ما كان حسه مرهفا. حينما زرت مصر عام 1979 بعد غيبة 10 سنوات فقط هالتني مظاهر التخلف عما تركتها عليه في عام هجرتي عنها في عام 1969. وفي زيارتي الأخيرة عام 1987أصابتني صدمة واكتئاب لم يفارقني بعد عودتي إلى وطني الجديد الذي امتدت جذوري به في صورة أبناء وأحفاد.

عند موتي عما قريب سينفذ أبنائي وصيتي فيتم حرق جثتي ويدفنون رمادي قرب جذع شجرة تؤكد لهم جنسيتهم الجديدة في أرض الله الواسعة. أنا لا أريد لذريتي هذا التقاسم بين هويتين. أريد لهم أن يعلموا فقط أن أصولهم مصرية وأن هويتهم استرالية بحكم المولد والنشأة واللغة والثقافة، فلا تتنازعهم المشاعر والحزن على أحوال مصر ولا يعانون ما عانيته من آلام نفسية لا يعرف مدى قسوتها إلا من عاش تجربتي.

أمنيتي الباقية هي أن أزور مصر قبل مماتي، لكن ذلك لا يمكن أن يحدث إلا بعد زوال دولة الانكشارية الجدد وعلى رأسها ذلك الخسيس التافه "بلحة العرص" المعروف أيضا باسم عبد الفتاح السيسي، أحط عملاء الصهيونية الأمريكية العرب، وهم كثيرون. سيكون ألمي على حالها متوقعا ومحسوبا، لكن فرحتي بزوال دولة العسكر ستكون أوقع وأبقى.

الجمعة، 21 أكتوبر، 2016

ماذا بعد هذا السيسي الحقير؟


لاجدال ولم يعد هناك أدني شك في أن عبد الفتاح السيسي – المعروف أيضا باسم "بلحة العرص" – مختل عقليا ومتدني فكريا ولا يصلح رئيسا لمصر، لا بالأمس ولا اليوم أو غدا. هذا المعتوه قد دمر الاقتصاد المصري بصلفه وغروره وجنون العظمة الكامن بعقله المتخلف. وحتى لا أتهم بإطلاق القول على عواهنه، إليك بعض القرائن التي لم تعد تخفى على الناس، إلا من كان منهم متخلفا عقليا وفكريا مثل بلحة نفسه، وليس مستبعدا وجود بعض المئات أو الألاف منهم بين طيات شعب يقترب تعداده من المائة مليون.

·      تسلم بلحة العرص مليارات الدولارات في صورة مساعدات خليجية لا نعرف على وجه التحديد أين اختفى بعضها.

·      أخذ المعتوه قرارا منفردا - دون الرجوع لأهل العلم والمعرفة - بتبذير تلك الأموال على مشروع تطوير قناة السويس، بل وجمع مدخرات المصريين بعد الدعاية المكثفة لذلك المشروع السفيه. وزادت تكلفة الحفر زيادات فلكية لكي يتم الحفر في وقت سريع، ثم أنفق المعتوه ببذخ - كما لو كان مكان الخديو اسماعيل - على حفل الافتتاح بينما الضائقة المالية تعصر عامة الشعب.

·      أسرف المجنون دون حساب في إعطاء الوعود للشعب المخدوع بأن يضع مصر في مقدمة الأمم خلال عامين فقط فإذا به يضعها بعد 3 سنوات على مشارف العجز والإفلاس التام، وبدلا من أن يعترف بغبائه وقصر نظره ويسلم القيادة لمجلس من عقلاء الأمة المدنيين إذا به يتهم الشعب ويصف مصر بأنها "شبه دولة"، وهي عبارة ربما يكون قد سمعها من أحد فكررها في غباء منقطع النظير.

·      يحاول هذا المأفون الاقتراض من البنك الدولي لمبلغ يعد كسرا من المليارات التي أضاعها وبشروط لا أنزل الله بها من سلطان، ترفضها الدول التي تهتم بشعوبها وتحترمها. كل ذلك بسبب سفهه وغبائه.

·      هذا الحمار لا يمتلك شيئا من مقومات رجل الدولة الحقيقي، ويصبح أقل من قزم إذا قارنته بنظيره في أمريكا أو المملكة المتحدة أو أوربا أو الصين أو الهند أو أمريكا اللأتينية أو شرق آسيا أو معظم الدول الأفريقية التي كانت مصر في مقدمتها حتى وقت قريب. هذا "الفسل" سبة في جبين مصر وعارها في المحافل الدولية.


لا يدري أحد ما يمكن أن يحدث بين اليوم وبين ذلك اليوم المشهود الذي يفرض نفسه ... يوم 11/11/2016 ... وهو يوم يستعد فيه الناس لثورة مهولة. أعتقد أن حمارنا الآن قد ينفق بعض أمواله المسروقة لكي يقوم الجيش بغمر الأسواق بالسلع الناقصة بالأسواق والتي يصعب على المستوردين استيرادها مع تدني سعر الجنيه المصري، وربما قام أيضا بغمر السوق ببعض الدولارات التي سرقها وسرقتها عصابة قادة الجيش، وربما نجح في الاقتراض من دول تعتقد أنها قد سنحت لها فرصة وهمية. كل هذه حلول مؤقتة تؤجل الكارثة وليست حلولا جذرية تبشر بمستقبل مختلف، لأن الحل الحقيقي هو أن يذهب حكم العسكر إلى الجحيم، وهو ذاهب لا محالة إن لم يكن اليوم أو يوم 11/11/2016 فإنه يكون بعد 11/11/2016 وبصورة أكثر دموية.

الجمعة، 7 أكتوبر، 2016

السيسي رمزا لمصر الحديثة


عبد الفتاح السيسي الذي اشتهر مؤخرا باسم "بلحة العرص" يعد اليوم رمزا لمصر الحديثة في تخلفها الحضاري والثقافي وانحطاطها الأخلاقي وفشلها الاقتصادي وتشرذم أهلها في فئات متناحرة.  هذه الرمزية يمكن الإسهاب في شرحها مطولا بتحليل شخصية السيسي نفسه.

السيسي دخل الكلية الحربية في وقت كانت فيه تلك الكلية ملجئا للفاشلين في نهاية دراستهم الثانوية ولم تؤهلهم درجاتهم لدخول أي من الكليات الأخرى التي تتطلب قدرا أكبر من الذكاء والقدرة على سبر أغوار العلوم والرياضيات أو المقدرة اللغوية في المجالات الأدبية والفكرية. والجدير بالذكر عرضا هنا هو أنه إذا ما اجتمعت كل تلك القدرات في شخص واحد فإنها تنتج لنا مثقفين مبدعين في الفكر والأدب رغم خلفيتهم الدراسية العلمية البحتة.

أما الانحطاط الأخلاقي فيتمثل في قدرة السيسي الخارقة على تملق الرؤساء والتجسس على رفاقه وزملائه في العمل والتي سمحت له بالارتقاء السريع في مجال التخابر والدسيسة بحيث أصبح قائدا للجيش المصري في عصر الفساد وتخلف الجيش المصري كله في المجال الحربي وتكرار هزائمنا على أيدي الصهاينة.

أما الفشل الاقتصادي فقد جاء بوصول السيسي إلى رئاسة الجمهورية وهو أجهل من دابة في كل مجالات النشاط الإنساني.  توالت "توجيهاته" وقراراته الفاشلة بحيث أصبحت مصر متردية وخزانتها خاوية رغم ما ضخه الأصدقاء من هبات لكي يساعد السيسي الأصدقاء والأعداء في مجال القضاء على "الإرهاب" الوهمي، وكلنا يعلم أن الإرهاب صناعة أمريكية تقوم المخابرات الأمريكية بأمورها اللوجستية وتمولها دولارات الخليج النفطية.

خدع السيسي معظم أبناء الشعب المصري من شتى الأطياف والميول فأقنعهم بضرورة التخلص من الرئيس المنتخب، وقد ساعده غباء محمد مرسي الذي ظهر كما لو كان يريد طمس الهوية المصرية ودمجها في هوية "الدولة الإسلامية" المزعومة. والمتأمل في حقيقة ما حدث يخرج باستنتاج أزعم أن الأيام سوف تثبت صحته هو أن مرسي أبرم صفقة مع قادة العسكر والأمريكان مكنته من الوصول إلى الحكم ثم خدعه السيسي ونكث بذلك الاتفاق.

لو علم الجميع أن الإخوان مجرد جماعة دينية صغيرة متطرفة شكلا ومضمونا وليست بذات قوة عددية بين أبناء الشعب المصري المسلم المعتدل، ولو أدرك المسيحيون الأقباط تلك الحقيقة، لسقط السيسي سقوطا مدويا ولعاد الالتحام والوئام بين عنصري الأمة من المسلمين والأقباط. لكن المدركين لتلك الحقيقة قليلون بسبب الجهل المتفشي  ونظم التعليم المتخلفة وقلة الوعي بما حيك ويحاك من دسائس.

لكن السيسي ربما يسقط في الأسابيع أو الأشهر القادمة. ليس ذلك بسبب عودة الوعي للمصريين وإنما بسبب الفشل الاقتصادي الذي بان واتضح جليا الآن. الشعب المصري الذي اعتاد الكسل والاعتماد على الدعم الحكومي لعديد السلع والخدمات يستيقظ اليوم ليجد نفسه بين فكي كماشة اقتصادية، هما إلغاء الدعم الحكومي والارتفاع المفاجئ والمستمر لأسعار جميع السلع والخدمات بسبب انهيار الجنيه المصري أمام العملات الأجنبية الأخرى. ذلك الانهيار الذي سيستمر دون هوادة لأن مصر أصبحت دولة مستهلكة وغير منتجة تستورد طعامها بالدولار.

المشكلة التي لا يرى المصريون مدى خطورتها هي أن سقوط السيسي نفسه لا يعني بالضرورة سقوط الدكتاتورية العسكرية. عصابة الحكم العسكري التي تمسك بالخيوط قد تطيح بالسيسي وتستبدله بآخر يسير على نفس الدرب المدمر. لذلك فإن سقوط السيسي يكون أفضل لمصر والمصريين وللعرب أجمعين إذا جاء عن طريق الموجة الثانية لثورة 25 يناير 2011، تلك الثورة التي فاجأت التاريخ فانحنت هامته احتراما لها ثم جاءنا ذلك الإمعة المجرم الفاشل "بلحة العرص" ليحاول طمس معالمها.

الخميس، 29 سبتمبر، 2016

بلحة العرص يترنح



زعزعة الاستقرار وإفقار مصر وشعبها هو أحد أولويات الصهيونية الأمريكية. يتم ذلك عن طريق مؤسسات دولية تسيطر عليها الصهيونية الأمريكية وبمساعدة العملاء الذين حكموا ويحكمون مصر. في أوائل التسعينيات، وفي عنفوان الهجمة الشرسة التي شنتها الولايات المتحدة الأمريكية وحلفائها على العراق، قام الدكتاتور محمد حسني مبارك - طبقا لتوجيهات صندوق النقد الدولي - بعملية تدمير ممنهجة للاقتصاد المصري عن طريق خصخصة شركات القطاع العام الحيوية وبيعها رخيصة لأذنابه بدلا من إصلاحها، وقام أيضا بإشراك الجيش المصري كمرتزقة في حرب الخليج.


 واليوم يقوم خليفة مبارك - ذلك المسخ البشري المدعو عبد الفتاح السيسي - باستكمال روشتة تدمير مصر عن طريق التطبيق المفاجئ لتوصيات (تعليمات) البنك الدولي برفع الدعم عن سلة ضخمة من السلع التي تضرب كل المصريين في صميم حياتهم اليومية، بدون أي تمهيد أو تدريج لتلك الكارثة الاقتصادية. لم تكن هناك أي ضرورة للاستدانة من البنك الدولي لو لم يبدد هذا السيسي الحقير الجبان كل ما كان بالخزانة المصرية على مشروعات عديمة الجدوى وباهظة التكلفة لدرجة وضعت مصر على حافة الإفلاس التام. تم كل ذلك بهدف تلميع صورة هذا الأخرق الجاهل بعد أن أصبح أضحوكة المحافل الدولية.


  أصبح الخلاص من السيسي (بلحة العرص) والحكم العسكري ضرورة وطنية. هذا أمر قادم لا محالة وفي القريب العاجل. تلويح بلحة العرص بنشر الجيش المصري خلال 6 ساعات تهديد أجوف، فالمتربصون به داخل الجيش أكبر عددا ممن اشترى ولاءهم بالمميزات المادية. ينسى هذا الحمار أو يتناسى أن جنود مصر جزء من النسيج الاجتماعي لشعب مصر. لو جاء ذلك اليوم الذي يتم فيه نشر الجيش المسلح في ربوع البلاد فإنه يكون يوم الفرج لأن السيسي نفسه يكون أول الأهداف. يبدو لي أن ذلك المعتوه قد عزل نفسه تماما عن نبض الشارع المصري فصدق أبواق إعلامه الهزيل وعاش في غيبوبة محاطا بالإمعات وأبواق الإعلام الأجوف التي تؤكد له مدى أهميته الوهمية.

الخميس، 22 سبتمبر، 2016

من هو "بلحة العرص"؟

بلحة في نيويورك

بعد بحث مستفيض في تعليقات القراء على شرائط الفيديو التي يرفعها النشطاء السياسيون على موقع "يوتيوب" الشهير، اتضح لي أن "بلحة العرص" هو الاسم الكامل الذي اختاره النشطاء للسيد عبد الفتاح السيسي. وطبقا لهؤلاء النشطاء  يكون اسمه الأول "بلحة" والاسم العائلي "العرص". بصراحة هذا اختيار موفق واسم على مسمى يليق بهذا الخسيسي التآمري الجاهل. وكلمة السيسي بالإنجليزية هي Sissy  وتعني "رجل مخنث" أو بالعامية الدارجة "خول" وهو وصف أو تشبيه يليق بطريقة إلقاء السيسي لخطاباته السخيفة التي يلقيها على حشد من العسكر أو المدنيين معتقدا أن المصريين جميعا أغبياء لا يفقهون، ولا يرون المستقبل الحالك إذا ما استمروا في الخضوع لحكمه العسكري الذي أوصل مصر إلى ما هي عليه الآن من الإفلاس والضياع والهوان.

قد يعترض البعض بالقول بأن ذلك الرجل الآن "رئيس جمهورية" يجب احترامه، وأنا أرد بأنه ليس رئيسا حقيقيا للجمهورية، بل هو نصاب مغتصب لمنصب لا يستحقه ولا يستطيع القيام بواجباته ومسئولياته، لأنه لا يمتلك العلم الذي يمكنه من ذلك، وأنه يسير بمصر إلى منحدر أو مستنقع خطير. هذا الحمار غير كفء ولا يفقه في كيفية إدارة دولة بأكملها. هو مجرد ضابط جيش يعتقد أنه قد حصل على ترقية إضافية من قائد عام للقوات المسلحة بدولة مصر إلى رئيس جمهورية مصر. إذا علمنا أنه لم يكن على معرفة بالعلوم العسكرية الحديثة التي تمكنه من قيادة جيش مصر، فإن المصيبة أعظم إذا ما علمنا أنه لا يمتلك أيا من مواصفات "رجل الدولة" من حيث اتساع الأفق العام والمعرفة بالشئون الاقتصادية والعلاقات الدولية إلى جانب شكليات البروتوكول واللغة والعلاقات العامة التي تتطلب شيئا يختلف تماما عن أسلوب "المصاطب" والتهريج ألذي نراه في سلوكيات هذا القزم الذي يحاول لعب دور المارد أو العملاق أو كبير الفلاسفة.


هذا الحمار يركب سيارة أفراح مغلقة النوافذ تسير بمطارات أمريكا بينما يجري بجانبها حراسه في ملابس الأفراح أو المآتم، في منظر غير مألوف للعالم الخارجي، ثم يختبئ في فندق مشدد الحراسة حتى لا يضربه المصريون المهاجرون بالبيض الفاسد. هذا السفاح الحقير يعلم جيدا أنه مكروه من شعب مصر بالداخل والخارج بعد أن اتضحت حقيقته الكئيبة كخسيس متآمر يدمر مصر إما لعدم كفاءته أو تنفيذا لأجندة صهيونية، وهو في كلا الحالين جرثومة يجب استئصالها لكي يتم إنقاذ مصر من شروره وإيقاف النزيف المؤدي إلى دمارها التام.

السبت، 17 سبتمبر، 2016

الموجة الثانية للثورة المصرية

المؤكد هو أن أمريكا الصهيونية تعمل بكل طاقتها لتكريس "الفوضى الخلاقة" بدول "الربيع العبري" بمحاولة تدمير الدولة المصرية كما فعلت بالعراق وليبيا وتحاول فعله في سوريا. لكن المشروع الصهيوني الأمريكي قد تعطل بفعل المكابح (الفرامل) السورية، وفي نهاية الأمر قد يتم دفنه مستقبلا بأرض الفراعنة، فقد أصبح واضحا بعد أن كان عسيرا على الفهم

قام الشعب المصري بإطلاق لقب "الخرفان" على شباب الإخوان وهم في حقيقة الأمر مجرد حملان ضالة. فالحمل الوديع يسهل قياده، خاصة وأن "الأفيون الديني" له فعل السحر ويكاد يودي بما تبقى من عقل لكل أهل منطقة الشرق الأوسط بأسرها، في عصر الفضائيات التلفازية. فلو أنك قلبت مفتاح التلفاز بين الفضائيات الناطقة بالعربية فلن تجد في معظمها سوى شيوخ الفضائيات الملتحين وعلى رؤوسهم طرح النساء البيضاء، يحدثونك في وقار مصطنع عن الويل والثبور وعظائم الأمور.

لا جدال في أن كل القرائن تشير إلى صحة ما قيل من أن عبد الفتاح السيسي ولد من أم يهودية مغربية الأصل. هذا في حد ذاته لا يعيبه لأن يهود المغرب قد امتزجوا دون حساسية مع المغاربة المسلمين، ومن تبقى منهم - فلم يهاجر إلى دولة إسرائيل المستجدة على أرض فلسطين المسلوبة في نهاية أربعينيات القرن العشرين - استمرت به الحياة بلا مشاكل. المشكلة الرئيسية هي أن هؤلاء اليهود يكونون هدفا لتجنيدهم بواسطة الموساد الإسرائيلي كما هو الحال مع عبد الفتاح السيسي.

تاريخ حياة أم السيسي الذي صرحت به عدة مصادر هو أن اسمها اليهودي الأصلي كان "مليكة تيتاني"، ولا ندري على وجه التحديد متى تم تغيير اسمها إلى "سعاد" حيث أنه من السهل تزوير وتغيير كافة الوثائق الرسمية المتعلقة بالمدعو عبد الفتاح السيسي، بما في ذلك تلك الوثائق المحفوظة بسجله العسكري. تزوجت مليكة فى عام 1953 وأنجبت عام  1954 و حصلت على الجنسية المصرية خلال عام 1958 وأسقطت الجنسية المغربية حتى يدخل ابنها عبد الفتاح الكلية الحربية فى عام 1973.

جدير بالذكر حسب تلك المصادر أن يورى صباغ   Uri Sabbagh خال والدة عبد الفتاح السيسى ولد في الصافي بالمغرب. درس المعادن في مدرسة ثانوية فنية في الدار البيضاء. وكان في وقت لاحق معتمدا كمهندس، وتخرج من كلية الإدارة العامة، وعاش في مراكش، حيث كان عضوا في حركة "درور"، وكان أيضا عضوا في منظمة الدفاع اليهودية السرية "هاماجين" في الفترة ما بين عام 1948 وعام 1950.

انضمت عائلة صباغ في عام 1951 إلى حزب ماباي،على أن تصبح عضوا في لجنته المركزية عام 1959. وعمل عورى صباغ كمدرس في مجال التدريب المهني في بئر السبع من عام 1957 حتى عام 1963، ومن ثم كمشرف للتعليم المهني في وزارة التربية والتعليم من عام 1963 حتى عام 1968. ومنذ عام 1968 حتى عام 1981 عمل سكرتيرا لمجلس العمال في "بئر السبع"، وبين عام 1974 وعام 1982 كان أيضا عضوا في "اللجنة المنظمة" الهستدروت.

أي أنه طبقا للتاريخ المثبت فإن جدة عبد الفتاح السيسي كان لها أخ صهيوني قح، وهو نسب لا يشرف أي مصري وكان كافيا لرفض التحاقه بالكلية الحربية المصرية التي كانت تدقق في اختيار طلبتها - ضباط المستقبل - وترفض قبول البعض منهم بالشبهات غير الموثوقة، لكن الموساد الصهيوني له أساليبه كما سأورد لاحقا.

كيف تم تسريب الصهيوني عبد الفتاح السيسي خلال الجيش المصري؟ نحن لا ندري على وجه التحديد ولكي نعرف سر ذلك علينا أن نكون على علم بأسلوب الموساد في تجنيد وتربية وتسريب عملائه، وكيف أن تلك العملية تستغرق وقتا وصبرا وتتم بدقة تامة. في الولايات المتحدة مثلا يتم دس أفراد صغار لدراسة اللاهوت والتخرج كقسس بالكنائس، حيث ينخرون الكنيسة من الداخل في صبر وأناة.

في حالة عبد الفتاح السيسي ستكون دراستنا له بالشواهد والقرائن وليس عن طريق وثائق مكتوبة فوثائق حياته كلها ليس من الصعب على الموساد تبديلها، وربما أورد التاريخ فيما بعد احتفاظ البعض بوثائق تثبت حساباتنا وتكهناتنا التي بنيناها على أفعال هذا الجاسوس الذي تسلق إلى أعلى منصب بالجيش المصري بل وترأس الجمهورية المصرية ذاتها في صبر وأناة وبصورة خبيثة ممنهجة حتى أن الكثيرين من المصريين حتي اليوم لا يتشككون في أمره وما زالوا يرون فيه المنقذ الملهم الذي أنقذهم من "الإرهاب" الوهمي، وتلك قصة أخرى يطول شرحها.

تم ترتيب سفر عبد الفتاح السيسي في بعثة دراسية إلى الولايات المتحدة الأمريكية مثلما كان المتبع بين النظام المصري والمخابرات الأمريكية بشأن قيادات المستقبل بالجيش المصري، لكي يتم تدجينهم وغسل أمخاخهم الضحلة. ومن المضحك أنه قد تم في تلك البعثة فبركة "بحث" بالإنجليزية عن "الديمقراطية بالشرق الأوسط" تمت نسبته لعبد الفتاح السيسي، بينما نعلم كلنا أن هذا "الفسل" لا يلم باللغة الإنجليزية - أو العربية - إلماما يسمح له بالكتابة على أي مستوى مقبول أو شبه مقبول.

لدي هنا في استراليا ضابط جيش مصري متقاعد عمل مع عبد الفتاح السيسي عن قرب ووصفه لي بأنه كان من أغبى ضباط المشاة بالجيش المصري، وأنه شخصيا في حالة ذهول من السرعة التي قفزت بهذا السيسي الصغير من ترقية إلى أخرى برغم غبائه وانعدام كفاءته كضابط عامل. ولعل القارئ هنا يشاركني عدم التشكك في صحة رواية هذا الضابط المتقاعد من مجرد مراقبة سلوكيات وطريقة حديث وأسلوب تفكير هذا الإمعة التافه عبد الفتاح السيسي، وكيف أنه "مسخة ومسخرة" في المحافل المحلية والدولية باللغة العربية قبل الإنجليزية. أعتقد اعتقادا راسخا أن هذا الحمار الجهول لم يقرأ في حياته كتابا واحدا ذا قيمة فكرية.

والآن فلنسرد القرائن التي أوصلتني لمثل هذه التكهنات:

  • اختيار مبارك وطنطاوي لهذا المسخ ليكون قائدا للمخابرات الحربية بالجيش المصري، والمعروف عن مبارك الخسة والتبعية للصهيونية الأمريكية، وهي العوامل التي حددت قواعد انتقائه لشاغري المناصب الهامة بالدولة وللمحيطين به بصفة عامة.
  • أثناء الثورة المصرية العظيمة في يناير 2011 ترأس عبد الفتاح السيسي عملية امتهان الأعضاء التناسلية لشابات الثورة فيما عرف فيما بعد باسم "كشوف العذرية". وقد حاول هذا الغبي المتغابي تبرير هذه الفعلة الشنعاء بذرائع أقل ما توصف به أنها تتسم بالجهل والتخلف والهمجية التي لا تليق.
  • حمايته لمبارك من غضبة الشعب وإلهاء الناس بمحاكمات وهمية.  وقصة مبارك لها أكثر من تفسير، فهو يقبع معززا مكرما في منتجع (سجن!) طرة وسط أبنائه ورجاله القدامى، أو ربما أنه الآن حر طليق في مكان ما لا نعلمه، ولم يشأ أحد محاسبته محاسبة حقيقية بمعرفة محكمة علنية محترمة لا تشبه الكوميديا السخيفة التي رأيناها على شاشات التلفاز. يقول البعض أن ذلك يعود لحماية مفروضة من "عاهر الحرمين" مقابل تسول معونة سعودية لمصر. ويقول البعض الآخر أن تقاليد الجيش المصري لا تسمح بإهانة قياداته القديمة.
  • لا ندري على وجه التحديد من الذي قتل عمر سليمان، وإن كان المرجح في ظل ما تكشف من حقائق عن تنظيم السيسي الإرهابي أن الرجل ربما قد تم شحن جثته لكي تلقى من إحدى الشرفات على طريقة سعاد حسني.
  • لا ندري لماذا تم إخلاء سبيل زوجة مبارك التي كانت غارقة في الفساد حتى أذنيها، ولديها من المخالفات ما يكفي لوضعها خلف القضبان بقية عمرها وتجريدها من كل ما نهبته. يقال أنها دفعت جزءا من ثروتها المسروقة مقابل هربها.
  • حماية كافة أعداء الشعب من كبار سدنة مبارك مثل حبيب العادلي وصفوت الشريف والعشرات غيرهم من كبار الجلادين والفاسدين، واتباع نفس سياسة إلهاء الناس وامتصاص غضبهم بمحاكمات وهمية امتدت لسنوات طوال قبل إطلاق سراحهم.
  • محاولة طمس ثورة 25 يناير 2011 الوطنية والتنكيل بشبابها وإلقائهم بالسجون بتهم زائفة، مع إطلاق كلاب الإعلام الرسمي القذر تنبح في محاولات بائسة لتشويه صورة هذا الشباب الملهم، الذي لولاه ما تحرك الشعب المصري من سباته واستسلامه للظلم والبطش.
  • تبديد احتياطي الثروة القومية من العملة الصعبة في مشروعات دعائية غير مدروسة الجدوى، مثل توسيع قناة السويس في زمن قصير وبتكلفة باهظة لم يكن هناك ضرورة ملحة أو غير ملحة لها.
  • محاولة فرض مشروع "العاصمة الإدارية" الفاشل الضار بمستقبل القاهرة، إذ يهدف ذلك المشروع الخبيث إلى  إغراق القاهرة تماما بمسخ معماري إضافي يمتد ويتصل بها فيمنع تطويرها على أسس حديثة، بدلا من تطبيق مشروع عاصمة جديدة بعيدة تماما عن القاهرة بما لا يسمح بالسفر اليومي المريح بينهما. فيؤدي ذلك إلى غزو الصحراء وإعادة توزيع الخريطة السكانية بما يرفع العبء عن مدننا الكبرى الحالية ويسمح بإعادة تخطيط تلك المدن القديمة على أسس حديثة تسمح بتطوير المرافق المتعسرة.
  • إلهاء الناس بمشروعات دعائية، مثل الإعلان المكثف عن مشروعات الاستزراع الوهمي لمساحات شاسعة من الصحراء، بينما المستصلح لا يزيد عن مساحات صغيرة بتكلفة باهظة غير اقتصادية.
  • التنكيل بالإعلام المعارض والتسبب في هروب كافة العقول الوطنية بحيث خلت الساحة الإعلامية من كل الأصوات المعارضة للتبعية الصهيونية، فلم يبق للناس سوى حثالة الفكر والعقل التي يعد المدعو أحمد موسى أحد رموزها الواضحة التي تجسد هذا الانحطاط الفكري والإعلامي غير المسبوق في التاريخ الحضاري لمصر العظيمة.
السؤال الملح الآن هو متى تتم الإطاحة بذلك السيسي الحقير؟ الذي اشتهر مؤخرا بلقب أو اسم "بلحة"، كناية عن تفاهته وقلة شأنه. ظني أن ذلك قد يحدث في أوائل 2017 ،وربما أن الشرارة سوف تكون شيئا آخر يخالف حسابات زبانية بلحة واستعدادهم أو قدرتهم على الوقوف أمامها. قد يكون لتلك الثورة ضحايا وقد تراق خلالها الدماء قبل زوال الاحتلال العسكري. تلك هي سنّة الثورات على مدى التاريخ.

الاثنين، 5 سبتمبر، 2016

الفتوى


قصة مصرية (قديمة منقحة)*
بقلم: محمد عبد اللطيف حجازي

     يحكى أنه في سالف العصر والأوان - حيث يتوه الزمن وتضيع الأيام - حدث في دولة ما من دول العالم الثالث اسمها "كنانارابيا" أن شاعت الفوضى واستشرى الفساد في ظل نظام حكم كريه قضى سلاطينه تماما على ما أسماه المحدثون "التعددية الحزبية" فأصبح يحكم كنانارابيا مجلس واحد يقوم بالتزوير وتجديد البيعة لكبير اللصوص لكي يبقى على أنفاس تلك البلاد. ولكي تمنع تلك الدولة الهمجية شعبها من التجمع لبحث أموره فإن اجتماع بضعة أفراد معا أسموه "تجمهرا" يمنعه فرمان دائم الفعل والمفعول أسموه "قانون الطوارئ" فرضته لعشرات السنين سلطات القمع بتلك الدولة العجيبة الفريدة ويسمح بالقبض على "المتجمهرين" والتنكيل بهم دون حسيب أو رقيب بعد أن تم القضاء على ما أسماه الأجداد "مؤسسات المجتمع المدني" التي كان من الجائز أن تطالب أمراء السلطان بالتحقيق والمساءلة عما يجري من تحقير للبشرية وامتهان للآدمية.

**********

جلس جحا يفكر في أمر بلاده تلك وكان بمجلسه بعض المفكرين من ذوي العمائم الضخمة وجرى بينهم بحث وشد وجذب ونقاش طويل:

-لابد من ثورة شعبية تطيح بذلك الحكم القمعي القهري.

- كيف نثور ونحن لا نستطيع التجمع أو "التجمهر"؟ هذا بالإضافة إلى أن كلاب السلطان المدربة لديها تهم جاهزة لنا بدءا من الأصولية الإسلامية وانتهاء بإقامة الصلاة وإيتاء الزكاة.

- موجز القول أننا لا نستطيع الفتك بكبارهم، فمن يحمي هؤلاء الكبار؟

- الكبار يحميهم صغار.

- وهل تتوفر الحماية لهؤلاء الصغار؟

- لا أعتقد إلا إذا كان لديهم من هم أصغر من الصغار.

- نعم … نعم …لديهم أصغر الصغار.

- من هم؟

- هم الذين يعذبون الناس بالسجون دون جريرة.

- هل هم معروفون للناس؟

- أعتقد ذلك.

- فلنفتك بصغار الصغار إذن.

- كيف؟

- لقد سمعت من العراف أن إحدى دول المستقبل واسمها فلسطين يقوم الواحد منهم بتحويل بدنه إلى فرقعة هائلة فيصير أشلاء تزهق أرواح أعدائه الذين أسموهم "الصهاينة"، فهل لدينا مثل هؤلاء الرجال الأشداء … أو حتى النساء؟

- ربما .. ولكن ماذا تقصد؟

- أقصد أن صغير الصغار الذي يعذب الأبرياء يستحق الموت لأنه يشكل القاعدة الأساسية للنظام الجائر التي لن يستطيع النظام العيش بدونها.

- تقصد أن صغير الصغار هذا مثل الصهيوني في دولة المستقبل تلك؟

- نعم أقصد أنه أشد أعداء الشعب فاعلية في ترسيخ القهر والقمع، وبما أنه لا تتوفر له الحراسة فإنه يكون هدفا سهلا.

- كيف ذلك ونحن لا نستطيع التخطيط أو التجمهر؟

- الأمر لا يحتاج إلى تخطيط أو تجمهر. يكفي أن يكون لدى الفرد ثأر لموت أبيه أو أخيه بالمعتقلات والسجون لكي يكون لديه الدافع لنيل الفاعل الذي لا تناله يد العدالة. إن مثل هذا الناقم ثروة قومية لو أحسن استخدامها.

- كيف يكون ذلك؟

- يمكن عمل قوائم غير مكتوبة من آن لآخر بمن عرف عنه الوحشية من صغار الصغار ثم يتم التخطيط للقضاء عليه بعد مراقبته ومعرفة برنامجه اليومي. لن يحتاج الأمر إلى سلاح يصعب الحصول عليه ولن يحتاج لأكثر من بضعة أفراد من الشجعان الناقمين، لا يمكن اعتبارهم من المتجمهرين.

- لكن الأمر سيتبعه تحقيق وقبض وتعذيب.

- لا أظن ذلك فالأمر يكون أصغر من أن تترقبه العيون. يمكن أيضا القيام بعمليات بأحزمة الفرقعة يموت فيها فرد واحد لقتل عدد كبير من صغار الصغار، أو حتى من كبار الصغار الذين لا تتوفر لهم الحراسة فيكونون عبرة لغيرهم وتستقيم الحياة بدونهم. إن دولة المستقبل تلك التي أسموها فلسطين قد وضعت لنا مثلا واضحا فعالا يمكن تطبيقه على صهاينة هذا العصر ببلادنا.

**********

وتدخل جحا قائلا بأن الأمر يلزمه فتوى لأن العصر سابق لعصر نبوءة فلسطين المستقبل.

ذهب جحا إلى دار الإفتاء وجاء بشيخ على رأسه عمامة تجمع ألوان علم فرنسا الأبيض والأحمر والأزرق، يقال أن جنديا اسمه نابليون قد أهداه إياها، سألوا الشيخ فأجاب قبل أن يسمع السؤال:

- أطيعوا الله ورسوله وأولي الأمر منكم.

فلما سألوا الشيخ عما يقصد بذلك أفتى بقوله:

- الله موجود ولكن لا تلمسه الحواس وطاعته تكون في الدين بإقامة المناسك والانصراف عن أمور العاجلة والعمل للآجلة، أما الرسول فقد مات ومن كان منكم يعبد محمدا فإن محمدا قد مات، ولا يبقى اليوم لكم سوى طاعة أولي الأمر منكم.

وهنا تدخل جحا قائلا:

- لكن ولي الأمر يوالي الأعداء ولا طاعة لمخلوق في معصية الخالق.

- تلك قضية أخرى يلزمها فتوى أخرى، ولكن لا تنسوا أن الله في السرائر وأن الرسول في الضمائر ولا يبقى لكم سوي ولي الأمر الحاضر الظاهر، فأطيعوه يستقم أمركم ولا تبدلوا الكلم ينالكم عذاب شديد من رجال ذوي بأس وحديد.

- أحسنت يا مولانا وفي الغد نلقاك لمزيد من الدرس.

**********

أسقط في يد جحا وطار من عينه النوم فتناسى كلمات الشيخ وأخذ يسترجع قول العراف وهو يرى رجال بلاده ينامون كالخراف، وبات يفكر في فلسطين المستقبل ورجالها الأشداء وكيف أنهم سوف يهزمون الصهاينة الأعداء. جلس في الصباح مع أحد المقربين وبادره قائلا:

- قال العراف أن فلسطين المستقبل تلك قائمة لا محالة لأن أهلها يموتون في سبيل الحياة بينما الناس هنا في كنانارابيا يعيشون ليموتوا موتا بطيئا. كيف يتسنى لي تغيير الناس وشحذ همتهم؟

- أنت لا تستطيع ذلك يا جحا فقد قيل عنك ما يشين وأنت رمز الكفاح والمقاومة.

- عني أنا؟ .. ماذا قالوا عني؟ إن شائعاتهم تملأ البلاد طولا وعرضا ..

- قالوا أنه حينما اشتد البلاء وسألك أحدهم "يا جحا .. العيب في دارك فماذا أنت فاعل؟" رددت بقولك "ليس هناك ما يدعو للقلق ما دام العيب بعيدا عن عيني."

- أنا قلت ذلك؟ .. هذا هراء.

- هكذا تقول الشائعات والفولكلوريات.

- والله إن هذا لزمن العجب .. إنه زمن رديء أحلك من وجه الجمل الأهوج وأنور الساعاتي وحسني البارك والحصان الصغير الغبي في سالف العصر، يوم كان الناس حقا في خسر.

- كل أزماننا رديئة في كنانارابيا منذ أن وعي علينا التاريخ.

- لكن دوام الحال من المحال.

- لا أرى إلا دواما للمحال.

- تشاؤمك كريه.

- والتفاؤل ضد الريح.

هنا دق الباب دقات سريعة عنيفة وأسرع جحا ليجد أمامه واحدا من عسكر السلطان بادره بصوت عال:

 - هل أنت جحا؟

- نعم يا سيدي الباشا.

- تعال معي.

- إلى أين؟

- ستعرف في الطريق وستعود قريبا.

**********

يقال أن جحا ذهب ولم يعد بعد أن أخذوه إلى بناية ضخمة بلا نوافذ، داخلها مفقود والخارج منها موءود والناس فيها يهيمون كالأشباح يودون لو تذروهم الرياح، وفوق البناء الغامض ترفرف أعلام ثلاثة أولها تقاسمته الألوان السوداء والبيضاء والحمراء، وقيل أن السواد رمز للحاضر وأن البياض لون للمستقبل البعيد وأما الأحمر فهو رمز لدماء لا بد وأن تفيض. وأما العلم الثاني فكان ناصع البياض تلطخه نجمة سداسية مثل ذبابة زرقاء بلون خط من فوقها وخط آخر من تحتها قيل أنه علم حلفاء الشيطان، وكان العلم الثالث ذا خطوط بيضاء وحمراء فوقها مستطيل بلون أزرق قاتم كئيب تنتشر فوقه نجوم بيضاء كثيرة كالمساحيق تبرز القبح على وجه شمطاء، قيل أنه علم حلفاء السلطان أو ربما كان علما لدار كبرى للدعارة يسعى إليها سلاطين العالم لأداء طقوس سرية.

**********

قيل أن مريدي جحا كانوا يحومون حول البناية الغامضة فيسمعون صرخات وأنات تبدو كما لو كانت آتية من أعماق جب التاريخ، وقيل أن جحا قد مات وقال البعض أنه قد رفع إلى السماء بينما قال البعض الآخر أنه قد أسري به إلى هيكل سليمان الرابض فوق أنقاض المسجد القديم، لكن أيا من تلك الأقوال ليس مؤكدا والأكيد هو أن أهل كنانارابيا قد يبقون علي حالهم يسمعون ويتكلمون عن فلسطين المستقبل وكيف أن رجالها على وشك تحريرها وأن نساءها سوف يأتين يوما لنصرة كنانارابيا وتحريرها هي الأخرى، أو أنهم قد ينتفضون من سباتهم فيتدلي الحصان الصغير من حبل بساحة التحرير.

---------------------------------------------------------------------------------------------

* القصة الأصلية على هذا الرابط:
https://pulpit.alwatanvoice.com/content/print/19904.html

هذه المدونة

هذه المقالات كتبت على مدى ثلاثة عقود وهي أصلح ما تكون في سياقها التاريخي، فمثلا مقالي عن الحجاب المكتوب في ثمانينيات القرن الماضي يصف من ترتديه بضيق الأفق لأن تلك الغربان كانت أعدادها قليلة، أما اليوم فإن من ترتدي ذلك الزي السخيف لا يليق وصفها بضيق الأفق إذا ما كانت مكرهة على لبسه خوفا مما قد تعانيه من مشاكل في مواجهة الغوغاء الذين يريدون فرض هذا الزي الوهابي بالقوة بحجة أنه "فرض عين" أو أنف أو أذن، وأن من واجبهم تغيير المنكر بأيديهم مفترضين أن نساء القاهرة الجميلات كن كافرات في الخمسينيات والستينيات، وأن ذلك أهم من القضاء على حسني مبارك وعصابته ممن أودوا بمصر إلى التهلكة.


من أنا

ملبورن, فيكتوريا, Australia
أنا واحد من آلاف المصريين الذين فروا من الدولة الدكتاتورية البوليسية التي يرأسها السوائم ولا يشارك في حكمها سوى حثالة أهلها من اللصوص والمرتزقة والخونة وينأى الأشراف بأنفسهم عن تولى مناصبها الوزارية.